في لحظة من لحظات الثورة الداخلية
قررتُ أن أُطفئ كل شيء من حولي… لا هاتف، لا رسائل، لا إشعارات، لا تصفح، لا ضجيج. فقط أنا… وعالمي الواقعي، بملمسه الخام، وهدوئه المُربك. كان القرار نابعًا من الداخل، كأنه صوت خافت يقول لي: "كفى، آن الأوان أن تعودي إلى ذاتك."
وهكذا، كتبت على ورقة صغيرة وعلّقتها بجانب سريري:
"يومٌ بلا هاتف… تجربة لاكتشاف الذات والانقطاع التام!"
بداية اليوم… كأنني عدتُ للعصور الذهبية
استيقظتُ في الصباح، وقبل أن أفتح عيني بالكامل، امتدت يدي تلقائيًا نحو الهاتف… ثم تذكّرت! فزعتُ من هذه العادة، ضحكت على نفسي قليلًا، ثم أدرتُ ظهري للهاتف الموضوع بعيدًا عن سريري، كما لو أنه كائن غريب لا يجب الاقتراب منه.
ذهبتُ إلى المطبخ، وأعددتُ فنجان قهوتي المفضلة… بدون أي مؤثرات رقمية. كنتُ أنا فقط… وقهوتي، وسكون الصباح الذي بدا وكأنه نعمة لم أنتبه لها منذ سنوات.
سكينة من نوع آخر
لم يكن الصمت مزعجًا كما توقعت. بل شعرتُ أنني أتنفسه… كأن الصمت لغة بيني وبين نفسي. رتبتُ غرفتي بلا موسيقى، أخرجتُ دفترًا قديمًا، وكتبت. قرأتُ، وتأملتُ، وسكنت.
لم أكن بحاجة لأحد
لم أفتقد الرسائل، ولا المتابعة، ولا التنبيهات. كنتُ كملكة في قصرٍ داخليّ، لا تحتاج إلا إلى ذاتها، وسقفٍ من الطمأنينة يحميها.
حتى جاء المساء... شعور بالإنجاز
حين حلّ المساء، كنتُ لا أزال محافظة على قراري. تناولتُ عشائي بهدوء، وجلستُ بعدها أُكمل القراءة. ثم وضعت رأسي على الوسادة… وغفوتُ في نومٍ عميق خالٍ من أي وميض أو صوت مزعج.
صباح اليوم التالي… بداية بيضاء
استيقظتُ وأنا أشعر بنشاط خفيف، وكأن حملاً قد أزيح عني. خرجتُ إلى الجامعة كأنني بطلة فيلم تعيش بداية جديدة.
وهنا… لحظة الدهشة!
دخلتُ القاعة الدراسية… لا أحد. الممرات صامتة. بحثت بعيني عن أي وجه مألوف… لا شيء. تسللت يدي إلى الحقيبة، وأخرجتُ الهاتف بعد قطيعة دامت أكثر من 24 ساعة. فتحته…
وكانت الصدمة!
رسالة من دكتورتي بالأمس: "أعتذر عن محاضرة الغد… سيتم تأجيلها!"
ضحكتُ… ضحكتُ من قلبي… ليس فقط لأني ضيّعت المحاضرة، بل لأنني أدركتُ شيئًا أعمق من ذلك بكثير.
الدرس الحقيقي من ذلك اليوم
الحياة بلا هاتف، فيها سكينة ووعي، لكنها ليست حلًا دائمًا. نحن نعيش في زمن متصل… جزء كبير من مسؤولياتنا وتواصلنا أصبح رقميًا.
لكن نستطيع أن نبتعد قليلاً، ثم نعود أقوى. نستطيع أن نُطفئ كل شيء… لنُعيد تشغيل ذواتنا.
قد ننسى موعدًا أو رسالة… لكننا لن ننسى الشعور بالنقاء حين نُغلق الضوضاء ونسمع أنفسنا فقط.
يوم بلا هاتف… تجربة سأكررها
نعم، ضيّعتُ محاضرة… لكنني ربحتُ ما هو أغلى:
- ربحتُ الهدوء.
- ربحتُ دفء اللحظة.
- ربحتُ نفسي.
ومنذ ذلك اليوم، خصصتُ لنفسي يومًا في الشهر يكون "يوم الانقطاع الواعي". لا هاتف، لا وسائل تواصل… فقط أنا، واللحظة، والضوء الطبيعي.
في الختام…
الهاتف ليس عدوًّا… لكنه قد يتحوّل إلى عبء إن لم نكن واعين. ضعيه جانبًا أحيانًا، أغمضي عينيكِ، واختاريكِ. جرّبي أن تعودي إلى الحياة بصورتها الأصلية…
وقد تكتشفين — كما اكتشفتُ — أن الهاتف أحيانًا… هو فقط صوت الخلفية لحياة حقيقية تنتظركِ لتعيشيها حقًا.